ابن قيم الجوزية

51

الروح

فجئت حتى دخلت ، فسلمت عليه ، فإذا بمسلم بن الرنجي ، فسلمت عليه وقلت : يا أبا خالد ما بال هذه القبور عليها سرادق وقبرك عليه سرادق وفسطاط وفيه سدرة ؟ فقال : إني كنت كثير الصيام ، فقلت : فأين قبر ابن جريج وأين محله ؟ فقد كنت أجالسه وأنا أحب أن أسلم عليه ، فقال : هكذا ، بيده هيهات وأدار إصبعه السبابة ، وأين قبر ابن جريج رفعت صحفته في عليين . ورأي حماد بن سلمة « 1 » في النوم أصحابه ، فقال له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : قال لي : طال ما كدت نفسك في الدنيا فاليوم أطيل راحتك وراحة المتعبين . وهذا باب طويل جدا ، فإن لم تسمح نفسك بتصديقه وقلت : هذه منامات ، وهي غير معصومة ، فتأمل من رأى صاحبا له أو قريبا أو غيره فأخبره بأمر لا يعلمه إلا صاحب الرؤيا ، أو أخبره بمال دفنه أو حذره من أمر يقع أو بشره بأمر يوجد فوقع كما قال ، أو أخبره بأنه يموت هو أو بعض أهله إلى كذا وكذا فيقع كما أخبره ، أو أخبره بخصب أو جدب أو عدو أو نازلة أو مرض أو بغرض له فوقع كما أخبره ، والواقع من ذلك لا يحصيه إلا اللّه ، والناس مشتركون فيه ، وقد رأينا نحن وغيرنا من ذلك عجائب . وأبطل من قال أن هذه كلها علوم وعقائد في النفس تظهر لصاحبها عند انقطاع نفسه عن الشواغل البدنية بالنوم ، وهذا من الباطل والمحال ، فإن النفس لم يكن لها معرفة قط بهذه الأمور التي يخبر بها الميت ، ولا خطرت ببالها ولا عندها علامة عليها ، ولا إمارة بوجه ما ، ونحن لا ننكر أن الأمر قد يقع كذلك . وإن من الرؤيا ما يكون من حديث النفس وصورة الاعتقاد ، بل كثير من مرائي الناس إنما هي من مجرد صور اعتقادهم المطابق وغير المطابق .

--> ( 1 ) هو حماد بن سلمة بن دينار البصري الحافظ ، سمع قتادة وأبا جمرة الضبعي وطبقتهما ، وكان سيد أهل وقته ، قال رهيب بن خالد : حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا ، قال ابن المديني : كان عند يحيى بن ضريس عن حماد بن سلمة عشرة آلاف حديث . وقال عبد الرحمن بن مهدي : لو قيل لحماد بن سلمة أنك تموت غدا ما قدر أن يزيد في العمل شيئا ، وقال شهاب البلخي : كان حماد بن سلمة يعد من الأبدال ، وقال غيره : كان فصيحا مفوها إماما في العربية ، صاحبة سنّة ، له تصانيف في الحديث توفي في آخر سنة سبع وستين ومائة .